الأربعاء، 26 يونيو 2013

الجهلاء

من الغريب ان تهتم دائماً الاحصائيات بتعداد الأميين و المتعلميين و تتناسى حصر الجهلاء؛ فالجهل نفسه أن تحظر من خطر الأمية و تنسي خطر الجهل ؛ فالخطر الحقيقي هو كم تعداد الجهلاء في الأمم، كم صاحب مؤهل عالي جاهل مهندس او طبيب أو محامي أو باحث إجتماعي أو … أو … أو … ، كم حاصل على دكتوراه جاهل بل كم أستاذ جاهل،  و كيف وصل بجهله لهذه المكانة؛  فأخطر الجهلاء من ذوي درجات علمية مرموقة، فمكانته سلاح نفسي يؤثر على من حوله في مجتمع المظاهر الأساس في الحكم .

من مظاهر الجهل المتأصلة في مجتمعاتنا بشكل كبير :
  • مخرج البوسة الذي ترك كل شيء في دور و أهمية السينما في المجتمع و تمسك بالبوسة منساقاً و راء حوار ضحل مع فئة أخرى من الجهلاء.
  • أما في مجال الثقافة والفنون؛ تجد من يدافعون عن الشذوذ و العري بدعوى الحرية و حقوق الإنسان ناسياً البعد الأكبر للفن و الثقافة و أثرها على إثراء فكر و ثقافة المجتمع.
  • الإعلام و دور خالتي اللتاتة لأي قضية كأنه تشنيع و ليس تحليل عقلاني و منطقي يثري ثقافة المشاهدين، المسلسلات التركي التي قصصها تقوم أن كل راجل يجري وراء أمرأته غيره و لم يندد بها أحد من مختلف ثقافة المجتمع لا متشددين "و هذا شيء غريب" و لا اجتماعين و لا أي فئة. و الأغرب؛ أن من يريدون تطبيق شرع الله استوردوا تلك المسلسلات لرمضان القادم، فالجهلاء هنا هم التابعين و المؤيدين.
  • كذلك على مستوى المؤسسات التعليمية فكم من مربي أجيال الكوسة هي معياره في تقييم طلابه، أو "الخيار و الفأوس" مبدأ في التعامل مع من يرأسهم و كأنه يتلذذ بالتصنيف و يحس بمتعة كرسيه، فتحس أن درجاته العلمية اشتراه من الصين و ليست سنوات جد و اجتهاد تجعل التفوق نصب عينيه معيار أوحد في التقييم.
  • أيضاً في مجال الطب و الصيدلة التي يجب أن يطلق عليها بقالة و ليس صيدلية. و لا أجدني اريد الكلام في هذا المجال لأن الجهل فيه مؤلم حقاً.
  • و الأدهى في الدين؛ فاتحدى كل فئات اليمين المتطرف أن يكونوا على علم من أين جاء لفظ "إسلاميين" الذي يرددونه كالببغاوات و نسوا أن قرآنهم الكريم و نبيهم الآمين عليه الصلاة و السلام أسمانا بالمسلمين كما أسمانا أبانا إبراهيم عليه السلام، و لا يجوز المزايدة على هذا المسمى. و حتى رجال اليسار لا يعلموا من أين جاء لفظ أسلاميين و لماذا مبتدعيه يدعمون انتشاره بقوة‼‼!
الجهل هو اختيار قمنا به؛ لأننا مجتمع اختار الكسل صفة و منهج و طابع حياة. الكسل ألذ من العسل؛ فالفرد يكسل و يتجاهل مقتضيات الحياة و طابعها أسهل و ألذ بكثير من أنني أتعب نفسي لأفهم الواقع. بل الكارثة أن الجهلاء يدافعون باسماته عن معتقداتهم ليبرروا لأنفسهم. فلو بذلوا مجهود في الفهم كما يبذلونه في المأوحة لتقدمت أمتنا.
و إحقاقاً للحق إني لتجد الجهل مختفياً بين فئات بعينها فئة المتعاملين مع السوق المصري كالعاملين بالأعمال الحرة و التجارة و حتى سائق التاكسي و البائع و غيرهم؛ فهم ينهالون من منهال الحياة و وواقعها بتعاملاتهم اليومية مع الناس، يقيمون القضايا ليس من وجهاتهم الشخصية بقدر ما يقيموها من واقع الحياة "فاهمين الحياة صح" فهم مضطرين لذلك حتى ينجحوا في أعمالهم. و لكل قاعدة شواذ.
على العكس تماماً في مجتمعات العمل الحكومي و حتى الخاص و ربات البيوت و العاطلين الذين هم منغلقون على انفسهم يعيشون رهن الغلاف الذي صنعوا لأنفسهم فالعامل بأي قطاع على اختلاف مستويات الدرجات العلمية يعيش في دائرة الراتب و الترقية القادمة، منعزل عن أسس الحياة الواقعية بملابساتها، و كذلك ربة البيت، و بالطبع العاطل؛ فهم غير مضطرين للفهم ، في جميع الأحوال سيترقى، في جميع الأحوال هي عايشة في البيت و بتطبخ في المطبخ ، في جميع الأحوال حيقوم يقعد على قهوة. ليس هناك دافع للفهم أو التمعن؛ ففي يديه سلطة و قوى و هي كرسي ثابت وراء مكتب، أو إدارة للمنزل، أو روقان يحسد عليه.  فالانغلاق و العزلة هما مناخ و حقل خصب للجهل. و أيضاً لكل قاعدة شواذ .
المحزن أن الفئة الأولى همها الأكبر هو المال، كيف تجني اليوم أكثر من الأمس "ليس خطأ مطلق" و لكن المحزن هم ليسوا أصحاب رسالات؛ رسالة لتطوير مجاله، رسالة للتقدم و الحضارة، رسالة للثقافة و الفكر .
الانفتاح الفكري هو المطلوب، و لعل أكبر درس من دروس الانفتاح الفكري في التاريخ هو الفتوحات العربية، التي كانت تفتح آذانها بالكامل لكل مجتمع تدخله مهما كان شأنه صغير أو كبير. تدرس ثقافات تلك المجتمع لتنقحه بما يواكب عقيدتها التي هي أساس الحكم، و لذلك هم قدموا جذور التحضر الحالي لأوروبا قدموا مثال للانفتاح المجتمعي الذي أثرى الحياة المدنية و على أثره أثرى فروع العلوم المختلفة.
فالجهل ما جعل كثير من العقلاء و الحكماء يخرسون تخوفاً من ضياع أكبر للقضية بذكرهم لآراهم و تحليلاتهم المدورسة، الجهل من أجلس فئات محترمة وكفاءات هامة في بيوتهم ، الجهل هو من أضاع القضية و أطلق سراح المذنبين.
الجهل ليس الأمية؛ فكم من أمي تقابله في حياتك يكون منفتح العقل سليم الحجة قوي الإرادة، يعرف قدر نفسه، لا يتعالى و أيضاً لا يتذلل، يتمعن في الأمور و لا يطلق الأحكام جزافاً، يترك ما لا يعرفه لمن يعرفه "فلو سكت من لا يفقه في السياسة في مصر سكت لما وصلنا لما نحن فيه" ، و كذلك مختلف مستويات التعليم و درجاته. فالجهل مرهون بالشخص و ليس بالدرجة العلمية. لأنه اختيار شخصي.
الجهل سلاح الطاغية في الحكم، و التحضر المجتمعي سلاح الحاكم الصالح في الحكم. يحتاج المجتمع المصري و كافة المجتمعات نشر التحضر و العقل و الحكمة كي يحصل على حاكم عادل.
                فتذكر قول الله  تعالى : " إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ " الرعد:11

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق